السيد الطباطبائي

371

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

ثمّ إنّ الاختيار وصف للإنسان ، ولكن لا مطلقا ، بل بالإضافة إلى الفعل ، فلو قطعنا النظر عن الفعل لم يكن هناك اختيار ، وحيث كان بالإضافة إلى الفعل فليس إلى الفعل فقط ، بل إليه وإلى الترك معا ، فمن اللازم عنده تساوي النسبة إلى الفعل والترك ، أي إمكانهما ، أي صلوح الإنسان خارجا للفعل والترك ، والمراد بالترك غير المعنى العدمي ، بل الأفعال التي تتضمّن عدم هذا الفعل . وبالجملة : الإمكان للفعل وهو القدرة . ويتضمّن وفاء الآلة ، فلو فرضنا سقوط الآلة عن الوفا بالفعل لم يبق هناك قدرة ولا اختيار ، وكذلك إذ لم يتنبّه للفعل أو تنبّه ولم يقصد وكذلك من الازم أن يكون القصد مؤثّرا في الفعل ، فلو لم يكن مؤثّرا بل جاز أن يقع الفعل مع القصد وعدمه ، وكذلك الترك لو أحدهما لم يكن اختيار . وإذا تمّت هذه المعاني التي ذكرناها ، أعني القدرة والعلم ، فالإرادة المؤثّرة لم يبق شيء يتوقّف عليه الاختيار ، وحينئذ يتمّ قولنا إنّ الاختيار هو أن يكون بحيث إنشاء فعل وإن لم يشاء لم يفعل . فتبيّن أنّ الفعل لا يحتاج إلّا إلى علم وإرادة مؤثّرة ، وأنّ الاختيار وصف للإنسان من حيث إرادته المؤثّرة عن قدرة تامّة ، وعلى هذا يتفرّع أنّ الأفعال الصادرة عن الملكة والصادرة عن مجرّد التنبّه عند التسخّر كما في أفعال أفراد الاجتماع عند الغوغاء والصادرة عن مجرّد المحاكاة مع التسخّر أو بدونه كما في الأطفال في أوائل نشؤها والصادرة عن العلوم المجزوم بها غير المحتاجة إلى التروّي والصادرة عن المحرّكات الطبيعيّة ، كالنفس والنظر وغير ذلك ، يمكن أن يقال : إنّها كلّها إراديّة اختياريّة ، وإن لم تسبق بالتروّي ونحو ذلك . ثمّ حيث كان تساوي الطرفين مأخوذا في الاختيار ، فإذا خرج أحد الطرفين عن الإمكان فامتنع كان الطرف الآخر واجبا أو بالعكس ، ولم يبق هناك اختيار .